الصالحي الشامي
13
سبل الهدى والرشاد
الغلام ، وليس معه شئ ، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه أين البعير ؟ فقال : ضل ، فقام إليه يضربه ، ويقول : بعير واحدة ضل منك لو لم يكن إلا أنا لهان الأمر ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ، فجعل رسول الله صلى الله على وسلم يبتسم ، ويقول : ألا ترون إلى هذا المحرم وما يصنع ؟ فحمل جماعة جفنة من حيس وأقبلوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضعوها بين يديه ، فجعل يقول : يا أبا بكر هلم ، فقد جاءك الله تعالى بغذاء طيب ، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هون عليك ، فإن الأمر ليس عليك ، ولا إلينا معك ، قد كان الغلام حريصا أن لا يضل بعيره ، وهذا خلف مما كان معه ) ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ، ومن كان معه وكل من كان يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شبعوا ، ذكر في سيرته الحديث . وذكر المحب الطبري رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ، وأمر أصحابه بإصلاح شاة ، فقال رجل : يا رسول الله علي ذبحها ، وقال آخر : يا رسول الله علي سلخها ، وقال آخر : يا رسول الله علي طبخها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وعلي جمع الحطب ) فقالوا يا رسول الله : نكفيك العمل ، فقال : ( قد علمت أنكم تكفوني ، ولكن أكره أن أتميز عليكم ، وإن الله تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه ) . تنبيهات الأول : حقيقة حسن الخلق قوى نفسانية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة ، والآداب المرضية ، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه ، ويدخل في حسن الخلق التحرز عن الشح ، والبخل ، والكذب ، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة ، ويسهل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول والفعل ، والبذل ، وطلاقة الوجه ، مع الأقارب ، والأجانب ، والتساهل في جميع الأمور ، والتسامح فيما يلزم من الحقوق ، وترك التقاطع ، والتهاجر ، واحتمال الأذي من الأعلى والأدنى ، مع طلاقة الوجه ، وإدامة البشر - في هذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق ، ومكارم الأفعال ، ولقد كان جميع ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا وصفه الله تعالى بقوله عز وجل : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [ ن 4 ] . الثاني : على في هذه الآية للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه كان مستعليا على هذه الأخلاق ، ومستوليا عليها ، قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى : وإنما كان خلقه عظيما لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى . قال الإمام الحليمي عفا الله عنه : وإنما وصف خلقه بالعظم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة ، ولم يكن صلى الله عليه وسلم مقصورا على ذلك ، بل كان رحيما بالمؤمنين ، رفيقا بهم ، شديدا على الكفار ، غليظا عليهم ، مهيبا في صدورهم ،